ابن الأثير

33

الكامل في التاريخ

معهم ، وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة ، إن شاء اللَّه تعالى . قال لي هذا الرجل إنّه دخل مع جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى البلاد البحريّة التي للفرنج والروم في أربع شوان ، يستنجدون ، قال : فانتهى بنا التطواف إلى رومية الكبرى ، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نقرة . وحدّثني بعض الأسرى منهم أنّه له والدة ليس لها ولد سواه ، ولا يملكون من الدنيا غير بيت باعته وجهّزته بثمنه ، وسيّرته لاستنقاذ بيت واحد فأخذ أسيرا . وكان عند الفرنج من الباعث الدينيّ والنفسانيّ ما هذا حدّه ، فخرجوا على الصعب والذلول ، برّا وبحرا ، من كلّ فجّ عميق ، ولولا [ أنّ ] اللَّه تعالى لطف بالمسلمين ، وأهلك ملك الألمان لمّا خرج على ما نذكره عند خروجه إلى الشام ، وإلّا كان يقال : إنّ الشام ومصر كانتا للمسلمين . فهذا كان سبب خروجهم ، فلمّا اجتمعوا بصور تموّج بعضهم في بعض ، ومعهم الأموال العظيمة ، والبحر يمدّهم بالأقوات والذخائر ، والعدد والرجال ، من بلادهم ، فضاقت عليهم صور ، باطنها وظاهرها ، فأرادوا قصد صيدا ، وكان ما ذكرناه ، فعادوا واتّفقوا على قصد عكّا ومحاصرتها ومصابرتها ، فساروا إليها بفارسهم وراجلهم ، وقضّهم وقضيضهم ، ولزموا البحر في مسيرهم لا يفارقونه في السهل والوعر ، والضيق والسعة ، ومراكبهم تسير مقابلهم في البحر ، فيها سلاحهم وذخائرهم ، ولتكون عدّة لهم ، إن جاءهم ما لا قبل لهم به ركبوا فيها وعادوا ، وكان رحيلهم ثامن رجب ، ونزولهم على عكّا في منتصفه ، ولمّا كانوا سائرين كان يزك المسلمين يتخطّفونهم ، ويأخذون المنفرد منهم . ولمّا رحلوا جاء الخبر إلى صلاح الدين برحيلهم ، فسار حتّى قاربهم ، ثمّ